أحمد بن يحيى العمري

80

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

المعلّقة ، ثم إنّ الصالح أراد به زيادة اختلاطه ، قوة ارتباطه ، فدعاه كما تقدم في ذكر الفائز ليدخل في مذهبه ، ويعجّل له آلاف ذهبه ، فتباعد من أربه وتأفف من سوء مشربه ، وكان الصّالح قد كتب إليه : [ الكامل ] قل للفقيه عمارة يا خير من * أضحى يؤلّف خطبة وكتابا الأبيات الخمسة المقدّمة الذكر ، فيما مرّ من هذا الكتاب . فلما أتت عمارة هذه الأبيات ، وسع من الغيظ فوق مليئه ، وحمل النّفس حشو عبيئه ، وأبى له أن يخيب يقينه ، وأنف له لهذه الدنيّة دنية ، وكان شافعي المذهب ، حسن المعتقد ، متعصّبا لأهل السنّة . وكان هذا ينكّب خطّته ، ويتجنّب خلطته ( 48 ) وكتب إليه جوابا أقذاه ، وطوى جوانحه على أذاه وهو : [ الكامل ] يا خير أملاك الزّمان نصابا * حاشاك من هذا الخطاب خطابا الأبيات الثّلاثة المقدّمة أيضا . ثم إنّ الصّالح يفسد ما بينه وبين عمارة ، وسكت عنه تصريحا وإشارة ، وسدّ هذا الباب فلم يفتح له قفلا ، ولم يكلّفه منه فرضا ولا نفلا ، بل قاربه إذ جانب ، وواصله إذ جاذب ، وكان هو وإياه خليطي خمر وماء ، وقسيمي بؤس ونعماء ، وكان الصّالح يغمره ببحره ، ويؤمّره على أمره ، وعمارة يجعل شكره صحيفة آنائه ، وحقيبة ثنائه ، يقرن كل بيت بوفقه ، وينظم كلّ معنى إلى لفقه ، ومضت قريحته على هذا التوالي ، ودبت الأيام ودرجت الليالي ، بفرائد ماتت بين السحر والنحر ، وقصائد نظمت حاشيتي البرّ والبحر ، ومدائح ركبت الأفواه ووردت المياه ، وطرقت الأندية والخدور ، وحلت الأطراف والصدور ، وقال فسكت كلّ متكلّم ، وصدّ كلّ ناطق مترنّم ، ويدلّ على أكبر حاله قصيدته التي مدح بها السّلطان صلاح الدّين ، ومنها قوله : [ الطويل ] أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعي * لنفثة مصدور وأنّة موجع